الآلوسي

204

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

الجر للاستحقاق وكيفيته مستفادة من خارج ولا استحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذي لا يخلفه فضلا وكرما لكن بشرط الموت على الإيمان ، و - الجنة - في الأصل المرة من الجن - بالفتح - مصدر جنه إذا ستره ، ومدار التركيب على الستر ثم سمي بها البستان الذي سترت أشجاره أرضه أو كل أرض فيها شجر ونخل فإن كرم ففردوس ، وأطلقت على الأشجار نفسها ووردت في شعر الأعشى « 1 » بمعنى النخل خاصة ثم نقلت وصارت حقيقة شرعية في دار الثواب إذ فيها من النعيم « مالا ، ولا » مما هو مغيب الآن عنا ، وجمعت جمع قلة في المشهور لقلتها عددا كقلة أنواع العبادات ولكن في كل واحدة منها مراتب شتى ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال ، وما نقل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنها سبع لم يقف على ثبوته الحفّاظ ، وتنوينها إما للتنويع أو للتعظيم ، وتقديم الخبر لقرب مرجع الضمير وهو أسرّ للسامع ، والشائع التقديم إذا كان الاسم نكرة ك إِنَّ لَنا لَأَجْراً * [ الأعراف : 113 ] و - تحت - ظرف مكان لا يتصرف فيه بغير مِنْ كما نص عليه أبو الحسن ، والضمير للجنات فإن أريد الأشجار فذاك مع ما فيه قريب في الجملة وإن أريد الأرض قيل - من تحت أشجارها - أو عاد عليها باعتبار الأشجار استخداما ونحوه ، وقيل : إن « تحت » بمعنى جانب - كداري تحت دار فلان - وضعف كالقول - من تحت أوامر أهلها - وقيل : منازلها ، وإن أريد مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية - كما قيل - بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لاطلاق الجنة على الكل والوارد في الأثر الصحيح عن مسروق إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود ، وهذا في أرض حصباؤها الدر والياقوت أبلغ في النزهة وأحلى في المنظر وأبهج للنفس : وتحدث الماء الزلال مع الحصى * فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى والأنهار جمع نهر - بفتح الهاء وسكونها - والفتح أفصح ، وأصله الشق ، والتركيب للسعة ولو معنوية - كنهر السائل - بناء على أنه الزجر البليغ فأطلق على ما دون البحر وفوق الجدول ، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في المجرى المتسع ؟ قولان : أشهرهما الأول ، وعليه فالمراد مياهها أو ماؤها ، وتأنيث تَجْرِي رعاية للمضاف إليه أو للفظ الجمع ، وفي الكلام مجاز في النقص أو في الطرف « أولا ، ولا » والإسناد مجازي ، و - أل - للعهد الذهني قيل : أو الخارجي لتقدم ذكر الأنهار في قوله تعالى : فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ [ محمد : 15 ] الآية فإنها مكية على الأصح ، وذي مدنية نزلت بعدها ، واستبعده السيد والسعد ، وقيل : عوض عن المضاف إليه - أي أنهارها - وهو مذهب كوفي ، وحملها على الاستغراق على معنى يجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو وصف لدار الثواب بأن أشجارها على شواطئ الأنهار وأنهارها تحت ظلال الأشجار أبرد من الثلج ، ولا يخفى الكلام على جمع القلة . كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ صفة ثانية لجنات أخّرت عن الأولى لأن جريان الأنهار - من تحتها - وصف لها باعتبار ذاتها ، وهذا باعتبار سكانها أو خبر مبتدأ محذوف - أي هم - والقرينة ذكره في السابقة واللاحقة ، وكون الكلام مسوقا لبيان أحوال المؤمنين ، وفائدة حذف هذا المبتدأ تحقق التناسب بين الجمل الثلاثة صورة لاسميتها ، ومعنى لكونها جواب سؤال - كأنه قيل : ما حالهم في تلك الجنات ؟ - فأجيب بأن لهم فيها ثمارا لذيذة عجيبة وأزواجا نظيفة وَهُمْ فِيها خالِدُونَ وتقدير المبتدأ هو أو هي - للشأن أو القصة - ليس بشيء بناء على أنه لا يجوز حذف هذا الضمير ، وإذا لم تدخله النواسخ لا بد أن يكون مفسره جملة اسمية ، نعم جاز تقدير هي للجنات والجملة خبر إلا أن التناسب أنسب أو جملة مستأنفة - كأنه لما وصف الجنات بما ذكر وقع في الذهن أن

--> ( 1 ) وهو قوله : كأن عيني في غربي .